يواجه لبنان الدولة امتحاناً صعباً للغاية، وسيتخطاه أياً تكن التحديات والأثمان. لن يستطيع أيّ ظلم أن يملك سعيداً فوق أرض لبنان “الى الأبد”، أكان هذا الظلم سياسياً أو فكرياً أو عسكرياً أو دينياً. كل ظلم مصيره أن يندحر فوق أرض لبنان، فكيف إذا كان هذا الظلم شرّاً مطلقاً، كالشرّ الإسرائيلي، والشرّ التكفيري الإرهابي المتلبس بالدين، والشرّ الاستبدادي للأنظمة العربية وسواها.
لا أملك من المعطيات أكثر مما يملك سواي. لكن يقيني أن لبنان سيخرج سليماً معافى من معركة “فجر الجرود” ومن تداعياتها وتجاذباتها، وإن ازداد جروحاً. جروحه بعضٌ من أقداره. لا مفرّ من ذلك. لا مفرّ من الجروح التي تزيده تألقاً وتمايزاً.
المسألة اللبنانية والوطنية واضحة. لبنان يحبّ أن يعيش سيداً حرّاً مستقلاً، بما تنطوي عليه هذه الكلمات من معانٍ ودلالات. ليس من باب الشوفينية أو العنصرية في شيء، أن أرفع هذا الشعار في هذا الوقت بالذات. فالمعنى ليس في قلب الشاعر أو الشاعرة. بل مشرّع أمام الملأ. ومن له أذنان سامعتان فليسمع. ومن له عينان فلير. ومن له عقل فليعقل.
من الصعب تشريح ذلك تشريحاً ديالكتياً على الطريقة الماركسية الجدلية، لأنه يتطلب نقاشا بعيدا جدا عن الانفعال والمهاترة. اختصر فأقول إن لبنان صعب وشائك لأنه “معقّد” و”مركّب” وليس مبسّطاً، لا على المستوى الجغرافي ولا على المستوى التاريخي، ولا أيضاً وخصوصاً على مستوى تركيبة شعوبه، وهي في غالبيتها تباينات تكوينية، دينية، طائفية، مذهبية، مناطقية، مجتمعية، عائلية، قبلية، وسوى ذلك من مكوّنات متنافرة.
التعبير ليس لي. فأنا أستخدم كلمة “شعوب”، لا كلمة “شعب”، لأننا لم ننخرط في الدولة انخراطاً بنيوياً صادقاً. هذا الاعتراف يتطلب جرأة أخلاقية، ووعياً يتخطى الأنا، وصراحة نحن في أشد الحاجة إليها. لا أريد أن أختبئ وراء إصبع، ولا أرغب في أن أفعل كما تفعل النعامة عندما تطمر رأسها في الرمل.
صحيح أن مسألتنا اللبنانية الوطنية واضحة لكنها صعبة. صعوبتها، بقدر ما تكمن في الخارج، تكمن في الداخل. يهمّني أن أركّز على الناحية الداخلية لأهميتها الاستثنائية في هذا المنعطف الحاد في تاريخنا الوطني. كل شيء يتغيّر، و”نحن” اللبنانيين نكتفي بمعاينة التغيرات من دون أن نفعل شيئاً ملموساً لاستيعابها. “نحن” مجموعات “أنوية” متنافرة، ونحن في تنافر، بدل أن تلتقي أنواتنا.
بات من الملحّ أن نتقدم من حال “الشعوب” إلى حال “الدولة”، وفي الدولة نحقق معنى لبنان في أن يكون بلداً سيداً حرّاً مستقلاً.