مسؤولية “الجاهل”

“لو كنا غير مسؤولين إلاّ عن الأمور التي نعرفها وندركها، لكان علينا مسبقاً أن نعفي الزعران imbéciles من كل خطأ. الإنسان محكوم بالمعرفة. الإنسان مسؤول عن جهله. الجهل ارتكاب”.

هذا باختصار ما يقوله ميلان كونديرا حول التنصل من المسؤولية. أنا كمواطنة، أؤيده تأييداً مطلقاً في هذا الشأن. إذ ليس مسموحاً لأحد بالتذرع بعدم المعرفة، لأي سببٍ من الأسباب. الإنسان مسؤول في المطلق، بل كامل المسؤولية، لأنه كامل الوعي والإدراك. كلّ الأسباب التخفيفية يجب أن تُسحَب من التداول، بحيث يتولى القانون إحقاق الحقّ وإنزال العقاب بكّل مَن يقصّر في المعرفة. تخفيف المسؤولية، مدعاة لنشر الفوضى وتعميم الخراب والقتل والرعب.

هذا ما يحصل في كل الأمكنة التي لا يشعر فيها المرء برهبة المسؤولية. هذا ما يحصل عندنا في شكل خاص، حيث لا محاسبة، ليس بسبب “الجهل” فحسب، بل تمادياً في اعتبار هذا الجهل “تكوينياً”، “طبيعياً”، و”جينياً”.

أُدرِج هذا التأمل في باب “الأخلاقيات”، حيث يُفترَض أن تكون هذه “الأخلاقيات” دستوراً يحدد موجبات الشخصية البشرية، ومسؤولياتها، حيال ذاتها اولاً، وحيال الآخر والمجتمع ثانياً.

لو أردنا على سبيل الافتراض ليس إلاّ، أن نطبّق قانوناً يعتبر “الجهل” ارتكاباً في لبنان، فمَن كان لينجو من موجبات هذا الارتكاب؟

من أجل أن لا أقع في الفذلكة الافتراضية، سأجعل جوابي واقعياً، في محاولةٍ مني لإسقاط السؤال إسقاطاً ملموساً على حياتنا العامة.

“جهل” (أو تجاهل، أو تغاضي، أو تنصل، أو طمس…) السلطات، بل النائب، الوزير، الزعيم، الرئيس، بما يترتب على ارتكاباته الوظيفية، السياسية والإدارية والقانونية والمالية، أليس جريمة يجب أن يُحاسَب عليها؟ هذا سؤال افتراضي. لكن الجواب عنه يجب ألاّ يكون افتراضياً، بحيث تأخذ المحاسبة مجراها. فمَن يحاسب مسؤولاً في بلادنا؟ الجواب: تقريباً لا أحد يحاسب.

ما أقوله غامزةً من قناة المسؤول، أقوله عن المواطن العادي. عن كلّ مواطن. إنه مسؤول عن “جهله”، أو تجاهله، أو تغاضيه، أو تنصله، أو طمسه. هذه المسؤولية ترتّب عليه المحاكمة. هل ثمة عملٌ قانوني وقضائي يفضي إلى مواجهة “الجاهل” مع “جهله”، ويجعله يعرف بقوة الفضيحة القانونية ما ينجم عن “جهله” المزعوم هذا؟

أعود إلى ميلان كونديرا “لبنانياً” لأخلص إلى الآتي: نحن محتاجون إلى محاسبة “الجاهل”، وخصوصاً “الجاهل – العارف”، وصولاً إلى محاسبة “الجاهل” مطلقاً، لأن جهله هذا إهانة للحياة نفسها. فهل ما أدعو إليه يقع في باب “التنظير الأخلاقي المترف”، أم في باب الحاجة الموضوعية، الماسّة والمطلقة؟

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *