نحن في زمن انتخابات. إنه زمن الرشوة بامتياز. الرشوة على أنواع. فقد تكون شراء لضمير. وقد تكون وعداً بوظيفة. وقد تكون مالاً سائلاً. وقد تكون “هدية”. وقد تكون مساعدة اجتماعية لعائلة مستورة أو لجماعة دينية. وقد تكون “مصادرة حبية” لتذاكر وجوازات سفر، بهدف التأكد من عدم المشاركة في الانتخاب، بسبب استحالة التصويت للائحة محددة.
هناك أساليب أخرى مستجدة، غير مسبوقة، على مستوى صرف المال الانتخابي بطرق غير شريفة، وغير أخلاقية، وغير ديموقراطية. لن أسترسل في التنقيب عن هذه الأساليب، أو في تعدادها، بل سأكتفي بسرد حادثة “بسيطة للغاية”، حصلت فعلاً عبر الهاتف الخليوي. رجلٌ عبر الـ”واتس آب” طلب من مرشحة أن تساعده في شراء دواء لولده. لولا أن الزمن هو زمن انتخابات، لكان لهذه الحادثة أن تكون شأناً عادياً، ويومياً، في حياتنا اللبنانية الكئيبة، التي تعاني فيها أكثرية المواطنين، أشكالاً شتى من الضيق والحاجة.
لم يسبق لهذه المرشحة التي تتقدّم إلى الانتخابات للمرة الأولى، أن واجهت مسألةً كهذه، هي التي تنشط لقيام دولة الحقّ والقانون والعدل والمساواة، التي وحدها يجب أن توفر الحياة الكريمة واللائقة للمواطنات والمواطنين، فلا يحتاجون إلى مدّ اليد للسؤال. طرحت المرشحة على نفسها السؤال الآتي: ماذا ينبغي لي أن أفعل حيال حادثة كهذه؟ هل أعطيه المبلغ، أم أرفض لأني لا أقبل بالمبدأ ولا أوافق عليه؟
في ما يتعلق بتتمة الحكاية، ماذا فعلت وماذا لم تفعل، اكتفت المرشحة هنا بإيراد الآية الكريمة: “… فلا تعرف شمالك ما صنعت يمينك”. لكنها على مستوى آخر، شاءت أن تطرح هذه المسألة البسيطة على النقاش العام، من خلال سؤالين، وغايتها إِشراك الناخبات والناخبين في اتخاذ الموقف الملائم: ماذا لو أن الرجل محتاج حقاً؟ وماذا لو أنه ليس محتاجاً، لكنه يغتنم “الموسم” الانتخابي، ليدور على المرشحين والمتنفذين من أهل الطبقة السياسية الحاكمة طلباً للمساعدة؟ إذ لا بدّ أنه يعرف أن هؤلاء الزعماء والقادة لن يترددوا في إعطائه المبلغ “وحبّة مسك”، لأن “الغاية تبرّر الوسيلة”. وما دام الفوز بالمقعد النيابي هو الغاية، فلتكن رشوة الناس هي الوسيلة وهي السبيل.
يهمّني من هذا كلّه، أن أختم بـ”لم” و”لن”، وهما خلاصة موقفي السياسي – المجتمعي – الثقافي – الأخلاقي الصارم: وظيفة المرشح والنائب والوزير والمسؤول مطلقاً، أن يعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال الوظيفة التي يشغلها، لا أن يقدّم “المسكّنات” التي تتحوّل فجأة إلى رشوة، أي إلى عمل غير أخلاقي. هذا على افتراض، أنه لا يمضي حياته السياسية في رشوة الناس للحصول على أصواتهم.
الرشوة الانتخابية لم ولن!