كانت جدّتي لأمّي في عداد الناجين من المجزرة الأرمنية. في عداد الناجين، لكن ليس تماماً.
ولدتْ جميلة ماركاريان في مدينة عنتاب الواقعة في جنوب تركيا. كانت أسرتها من العائلات الكثيرة التي تشكّل المجتمع الأرمني الكاثوليكي في تلك البلدة في بدايات القرن العشرين. ذات يومٍ مشؤوم من نيسان ١٩١٥، كانت جدّتي لا تتجاوز الثالثة من العمر عندما أجبر الجنود العثمانيون أهلها، ومئات الألوف من الأرمن، على هجر منازلهم بين ليلة وضحاها. هام هؤلاء في الصحراء السورية بلا طعام ولا مياه، وتعرّض كثرٌ منهم للتعذيب والاغتصاب والضرب والاعتداء والقتل. مات أكثر من مليون شخص آنذاك. أما جميلة، فنجت.
أكرّر: ليس تماماً. ثمة مبالغة في زعمي أنها “نجت”. انتحرت جدّتي في بيروت سنة ١٩٧٨. كانت يومذاك في السادسة والستين، وكنتُ أنا في السابعة. على غرار ضحايا كثر آخرين، هي قُتِلتْ أيضاً، ولكن مع تأخير تقنيّ. لقد زرع المجرمون قنبلةً موقوتة داخل قلبها وروحها في ذلك اليوم اللعين. ثمّ انفجرت القنبلة بعد عقود.
هل الناجون من الحروب سوى جثث حيّة، أو قتلى مؤجّلين؟
***
كان جدّي، افرام باهو، من ماردين، وكانت عائلته السريانية قد عانت بدورها ويلات ترحيل الأقليات المسيحية في تلك البقعة وذلك الزمن. التقى جميلة وافرام بدايةً في حلب، حيث لجأت عائلاتٌ كثيرة إثر المجزرة، ثم انتقلا بعد زواجهما الى حيّ السريان في الأشرفية، بيروت، على غرار عدد كبير من السريان المشرقيين. هنا رأى أولادهما النور، ومنهم والدتي، وهنا لا يزال يقيم عددٌ كبير من الأقارب من آل باهو وسواهم. عندما اكتشفتُ كلّ الدماء المتنوّعة التي تجري في عروقي، فهمتُ أخيراً عشقي للتنوّع والرحابة والانفتاح والتعدّد والحرية.
أذكر عن افرام وجميلة، فضلاً عن حنانهما الصاعق، حزنهما المستتبّ. كانا حزينين على الدوام، وخصوصاً عندما كانا يبتسمان. لكأنهما لم يكونا مخوّلَين أن يفرحا. لكأنه لا يحقّ لمكافحي هذه الأرض، لمتعَبيها، لمهمّشيها المخنوقة أصواتهم، أن يفرحوا. لا أزال حتى اليوم، كلّما تكلمتُ الأرمنية أو أنصتُّ إلى السريانية، أشعر بحزنهما يخفق في صدري.
لطالما حلمتُ بكتابة هذا العمل تحيةً لهما، لكنني طويلاً افتقرتُ الى الشجاعة اللازمة لفعل ذلك. كان الأمر أشبه بالقفز داخل بركانٍ في ذروة غليانه: قفزة لم أكن جاهزة لها، أو ربما غير راغبة في القيام بها. لماذا الآن؟ لأنني، ولأسبابٍ غامضة، أشعر أخيراً بالإلحاح الذي عادةً ما نشعر به قبل لحظةٍ من فوات الأوان.
(من كتابٍ يصدر قريباً عن “دار نوفل”)